من الطبيعي أن يحاول الوالدان إخفاء الحقيقة عن الحرب أو النزاعات أو الصعوبات أمام الطفل، وأن يسعوا للتقليل من فظاعة الأحداث التي دفعتهم إلى مغادرة بلدهم الأصلي، وذلك بهدف حماية الطفل من التوتر والخوف. ومع ذلك، لا يُنصح باتباع هذه الاستراتيجية في التعامل مع المشكلة، لأنها تحرم الطفل من الفرصة لطرح الأسئلة، وطلب التفسيرات والدعم.
يساعد الحديث مع الوالدين الطفل على فهم أفضل للأحداث من حوله، وللعلاقات بين الناس، كما يُعلّمه كيفية التعبير عن مشاعره وتجربته الداخلية وتسميتها، وتطوير علاقاته مع الآخرين. ومن خلال الحوار، لا يسمع الطفل الكلمات فقط، بل يشعر أيضًا بالطريقة التي قيلت بها، مما يمكن أن يُطمئنه ويواسيه بشكل إضافي.
الحديث عن المواضيع الصعبة يجلب الفهم
من المهم للغاية ألا نخفي الحقيقة عن الطفل، لأن بإمكانه أن يعرف أسباب مغادرة المنزل بطرق مختلفة. قد يسمع حديثكم مع أشخاص بالغين آخرين ويشعر بالقلق في نبرة أصواتكم، أو قد يسمع جزءًا من الحقيقة من أطفال آخرين، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الأخبار. حينها قد تبدو الحقيقة أكثر رعبًا، لأن الطفل لا يفهم كل ما يسمعه ويراه، ولكنه بالتأكيد يشعر بعدم الأمان وخوف الأشخاص البالغين القريبين منه.
لهذا السبب، من المهم الحديث مع الطفل عن الظروف الحياتية التي أدّت إلى تواجدكم الآن في كرواتيا، لأن ذلك سيساعده على فهم الوضع الذي تعيشونه بشكل أفضل، مما سيسهم في تقليل شعوره بالخوف إلى حد ما.
قم بتطبيع المشاعر التي يشعر بها طفلك.
بسبب ما يحدث من حوله، وما يسمعه ويراه، قد يشعر الطفل بالخوف، أو الارتباك، أو القلق، أو الغضب. يحتاج الطفل إلى بعض الوقت ليتعرّف على مشاعره ويقبل بها. لذلك، من المهم أن نرسل له رسالة واضحة مفادها أن من الطبيعي تمامًا أن يشعر بالحزن، أو الخوف، أو الغضب.
لا تتعاملوا مع قلق الطفل ومخاوفه بالتقليل من شأنها أو من خلال قول ( اهدأ أو لا تبالغ في رد فعلك )، فالمشاعر التي يمر بها الطفل حقيقية وصادقة. أظهروا له أن ما يشعر به طبيعي، وساعدوه على تسمية مشاعره. فمجرد الحديث معكم وفهمكم له يمكن أن يُطمئنه ويواسيه.
إرشادات للحوار مع الطفل
قبل الحديث مع الطفل، من المفيد أن تعرفوا مسبقًا ما الذي ستقولونه له وكيف ستقولونه، لذا يُنصح بالتفكير مسبقًا في محتوى الحديث الذي تنوون نقله إليه، وكذلك في أسلوب الحوار.
من الضروري أن يتناسب الحديث مع عمر الطفل. فهذه مواضيع صعبة، وقد يبدو لنا من غير المعقول التحدث عنها مع طفل صغير. ومع ذلك، فإن ما يحدث يؤثر بعمق على حياتنا، والطفل يلاحظ ذلك حتمًا، ويشعر به، ويرغب في الفهم ومعرفة ما يجري. لذلك من المهم التحدث مع الطفل بطريقة وبلغة يفهمها، مع مراعاة عمره.
كذلك، يجب أن تكونوا على وعي بأنكم قد لا تتمكنون من مساعدة الطفل بمفردكم إذا كان الأمر شديد الصعوبة بالنسبة له. وفي هذه الحالة، من الضروري طلب المساعدة من متخصصين في الصحة النفسية للأطفال.
الطفل بين عمر سنة وثلاث سنوات
في هذا العمر، يدرك الطفل ويشعر أن هناك شيئًا يحدث، لكنه لا يفهم ما هو ولا لماذا يحدث. قد يبكي الطفل كثيرًا ويطلب وجودكم بالقرب منه باستمرار. من الممكن أن يواجه صعوبات في النوم أو في عادات استخدام الحمام، أو أن يتصرف كأنه أصغر من عمره ويطلب أن تطعموه. كما قد يُظهر نوبات غضب، أو ضرب، أو انزعاج مفرط، أو معارضة، أو انسحاب، لكنه لا يستطيع التعبير عن مشاعره بالكلمات. وقد يُظهر خوفًا من الانفصال، ويشعر بالخوف إن لم يكن أحد الوالدين في مجال رؤيته.
يمكنكم مساعدة الطفل من خلال الحفاظ على الهدوء، وإرساء روتين يومي يمنحه شعورًا بالتوقّع والاستقرار، وبالتالي الأمان. وإذا لم يكن الطفل يتحدث بعد أو لا يطرح أسئلة، تحدثوا معه عن الحياة اليومية بأسلوب إيجابي ومتفائل، لتوصلوا له رسالة بأنكم كعائلة في أمان.
الأطفال في سن ما قبل المدرسة
في هذا العمر، غالبًا ما يُظهر الأطفال الغضب من خلال مهاجمة الوالدين، أو ينسحبون إلى داخل أنفسهم ويبدون علامات الاكتئاب. في هذه المرحلة، تتداخل الخيال والواقع لدى الطفل، لكنه يدرك أهمية حماية العائلة.
قد يُعاني الطفل من القلق، أو يُظهر نوبات غضب وعدوانية، أو يتصرف كما لو كان أصغر من عمره الحقيقي. قد يشعر بالخوف من النوم أو من البقاء وحيدًا، وقد يعاني من أحلام مزعجة أو كوابيس. وإذا أصبح مترددًا في القيام بأشياء كان يستمتع بها سابقًا، تحدثوا معه مباشرة، ولا تنتظروا أن يبادر هو بالسؤال.
بعض الأطفال سيبدؤون الحوار بأنفسهم ويطرحون الكثير من الأسئلة، بينما قد يبدو على أطفال آخرين أنهم غير مهتمين. ومع ذلك، من المهم التحدث مع كلا النوعين من الأطفال وإخبارهم بالحقيقة حول الحرب. إذا بدأ الطفل بالسؤال، يكون من الأسهل بدء الحوار بالإجابة على سؤاله، ثم سؤاله عن شعوره حيال ما سمع، وما إذا كان قد فهم ما شرحتم له. بعد ذلك يمكنكم مواصلة الشرح والحوار حسب احتياج الطفل ووتيرته.
إذا لم يطرح الطفل أسئلة، حاولوا "استكشاف" مشاعره من خلال طرح أسئلة لمعرفة ما إذا كان يرغب في الحديث، وماذا يعرف، وكيف يشعر. بعد ذلك، يمكنكم بدء الحديث عن الأحداث والظروف التي تمرون بها كأسرة.إذا لاحظتم أن الطفل قد سمع شيئًا أو أصبح لديه بعض المعلومات، بادروا بفتح الحوار وشرحوا له ما يهمّه فهمه.
يحتاج الأطفال من البالغين، في المقام الأول، إلى الشعور بالحماية والأمان، وهذا هو ما يمكننا كآباء وأمهات أن نقدّمه لهم – حتى في الأوقات التي نشعر فيها نحن أنفسنا بعدم الأمان وانعدام الحماية.




0